السيد علي عاشور
159
موسوعة أهل البيت ( ع )
بعض أحوال المتوكل كان المتوكل خليعا سكيرا وأكثر المؤخرون من ذكر لهوه وخلاعته وفساده وذكر بعضهم أنه قتل وهو سكران لا يستطيع أن يقوم من سكره فوضعوا فيه السيف فقطعوه والخمر تدب في عروقه . وقال اليعقوبي : ونهى المتوكل عن الكلام في القرآن وأطلق من كان في السجون من أهل البلدان ومن أخذ في خلافة الواثق فخلاهم جميعا وكساهم جميعا وكتب إلى الآفاق كتبا ينهي عن المناظرة والجدل وأمسك الناس انتهى ، أقول : وأكثر المجددين من علماء مصر وغيرها من البلاد اعترفوا بأن أعظم جناية وقعت على الإسلام منع الناس عن النظر والإجتهاد والجمود على ما أثر من السلف ، وكان أعظم مسألة في تلك الأزمان مسألة القرآن ، وأنه حادث أو قديم ، وبعده التكلم في الصفات ، وكان رأي العوام ورؤسائهم فيها خرافيا صرفا يلتزمون بأمور غير معقولة مثل أن هذا المصحف المكتوب بأيدي الكتاب المدون بين الدفتين الذي صنعه الوراقون قديم بقدم اللّه تعالى وأن القول بحدوثه تنقيص له ، وبعض من تدبر منهم ورآه دليلا على سفاهة قائله ذهب إلى أن كلامه تعالى الذي صدر منه قديم لا هذا المكتوب المدون وهو أيضا غير معقول لأنّ الكلام حروف مرتبة يتبع بعضها بعضا ولا يتعقل كونها قديمة لأنه يوجب عدم الترتب في الحروف ولذلك التزم العقلاء بكون القرآن مخلوقا بأي معنى فرض وهو غير العلم وأن هذا لا يوجب توهينا له وتنقيصا كما أن النبي عليه السّلام وهو أفضل من القرآن مخلوق ولا يوجب نسبة ذلك إليه توهينا وكان المأمون وبعده المعتصم والواثق قائلين بخلق القرآن دفعوا الحجر عن القول به وربما امتحنوا المشاغبين والغوغاء من العامة ونهوا القضاة عن قبول الشهادة إلا من أهل التوحيد والعدل . قال المسعودي : في سنة 219 ضرب المعتصم أحمد بن حنبل ثمانية وثلاثين سوطا ليقول بخلق القرآن ، وزاد اليعقوبي احتجاج إسحق بن إبراهيم عليه إلى أن قال أحمد : فإني أقول بقول أمير المؤمنين ، قال : في خلق القرآن ؟ قال : في خلق القرآن . قال : فأشهد عليه وخلع عليه وأطلقه إلى منزله انتهى . أقول : فاستعمل أحمد التقية أو قال بخلق القرآن خلافا لما عليه الجماعة . وقال اليعقوبي أيضا : صار المأمون إلى دمشق سنة 218 وامتحن الناس في العدل والتوحيد على ما سبق وقال : وامتحن الواثق الناس في خلق القرآن فكتب إلى القضاة أن يفعلوا ذلك في سائر البلدان وأن لا يجيزوا إلّا شهادة من قال بالتوحيد فحبس بهذا السبب عالما كثيرا انتهى . فتبين من ذلك أن مرادهم وصف المتوكل بمحو البدعة وإقامة السنّة ليس ما يتبادر إلى الذهن من ظاهره بل منعه من البحث والنظر وإبقاء خطأ من أخطأ من السلف على ما هو عليه وإن خالف السنة والكتاب أيضا فاختاروا لفظا حسنا لمعنى قبيح وقال يحيى بن أكثم على ما في تاريخ بغداد :